نشرت مجلة البيان مقالي هذا لشهر ربيع الاول
http://www.albayan-magazine.com/bayan-259/bayan-04.htm
بقدر ما يكون الحوار إيجابياً يكون متميزاً في حياة الفرد وحياة الجماعة، وبقدر ما يكون سلبياً يكون هداماً لكيان الفرد وكيان الجماعة[1]، ولكي يكون الحوار إيجابياً لا بد من تأطيره بآداب وضوابط وتحديد العوائق التي تؤدي إلى سلبية الحوار وانعدامه.
بعض الآداب العامة للحوار:
ما يمكن التأكيد عليه هنا أن التأدب بآداب الإسلام العامة والخاصة يعطي حواراً إيجابياً، ومن بين هذه الآداب العامة:
إخلاص النية: تعدُّ النية أصلاً أساسياً في جلِّ العبادات والمعاملات، وبها تتميز العبادة عن العادة، ولهذا يجب على كل متحاور «أن يخلص النية في جداله وحواره، ويكون قصده في ذلك التقرب إلى الله - تعالى - وطلب مرضاته؛ في امتثال أمره فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الحــق وإزهــاق الباطــل، فلا يقصد المباهاة وطلب الجاه والرياء»[2].
التقوى: وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه، ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر آيات القرآن ذات الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية، والمراد أن يتقي الإنسان ما يغضب ربه وما فيه ضرر لنفسه أو ضرر لغيره[3]، وبهذا يكون الحوار مؤطراً بحصانة التقوى.
الصبر: لأن «عمدة الأمر في استخراج الغوامض وإثارة المعاني هو الصبر على التأمل والتفكير»[4]، ولولا الصبر لانهارت نفس الإنسان من البلايا التي تنزل عليه، ولأصبح عاجزاً عن السير في ركب الحياة، وأصبح في حالة لا يتقيد فيها بالقيم الأخلاقية، فضلاً عن أنه يصبح عنصرَ شرٍّ لا نفع منه[5]، منعزلاً عن المجتمع ومنفعلاً مع مكوناته، ولا يفتح باب الحوار.
السماحة والتخلي عن التعصب: أي: تخلي كِلا الفريقين اللذَيْن تصدَّيا للمحاورة الجدلية حول موضوع معين؛ عن التعصب لوجهة نظر كل واحد منهما، وإعلان كل واحد منهما الاستعداد التام للبحث عن الحقيقة والأخذ بها عند ظهورهـا؛ سـواء كانـــت وجهــة نظــره السـابقة أو وجهة نظر من يحاوره أو وجهة نظر أخرى.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى الأخذ بهذه القاعدة، إذ علَّم الرسول # أن يقول للمشركين في مجادلته إياهم: {وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [سبأ: ٤٢], وفي هذه الآية غاية التخلي عن التعصب لأمر سابق، وكمال الرغبة بنشدان الحقيقة أنَّى كانت[6]. والسماحة وعدم التعصب لا يعنيان بالضرورة الانهزام؛ بل هما أوج القوة الفكرية وسمو التربية الروحية. كما أن لكل موضوع ضوابط يتبين بها مدى تسامح المتحاورين أو تعصبهم، أضف إلى ذلك أن السماحة لا تعني بالضرورة التخلي والاستسلام ونهج ما يرتضيه الآخر وإن كان في ذلك مخالفة للنقل الصحيح والعقل الراجح، ولكن المقصود عدم اضطرار الآخر إلى مطابقة تفكيره بتفكيرك.
حسن الظن: فـالأصـل البـراءة؛ فـلا ظـنة ولا تهمـة ولا ريبة، ولا مزايدة على الإخلاص لله؛ فإن جميع الفصائل المتحاورة لديهم الحرص على الإخلاص، ولكن الاختلاف في وسائل تحقيق المصلحة[7]، وبحسن الظن تتوفر أرضية صالحة للحوار لا ضغينة فيها ولا أحكام مسبقة.
سلوك الحسنى: مصداقاً لقوله - تعالى -: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ} [النحل: ٥٢١]، ومن تأمل الآية الكريمة وجد أنها لا تكتفي بالأمر بالجدال بالطريقة الحسنة، بل أمرت بالتي هي أحسن، فإذا كان هناك طريقتان للحوار والمناقشة: إحداهما: حسنة، والأخرى: أحسن منها؛ وجب على المسلم أن يجادل بالتي هي أحسن؛ جذباً للقلوب وتقريباً للأنفس المتباعدة[8].
الهدوء: فإنه يستحسن أن يكون الحوار هادئاً لا ترتفع فيه الأصوات ولا تتعالى؛ لأن جوَّ المحاورة يتطلب الهدوء «والحوار الهادئ الذي يقابل الحسنة بالسيئة ويقلب الهياج إلى وداعة والغضب إلى سكينة والتبجح إلى حياء، على كلمة طيبة، ونبرة هادئة، وسيمة صائبة في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام، ولو قوبل بمثل فعله لازداد هياجاً وغضباً وتبجحاً ومروداً وخلع حياءه نهائياً وأفلت زمامه وأخذته العزة بالإثم»[9].
ضوابط وتقنيات أثناء الحوار:
1- ضوابط أثناء الحوار:
الابتداء بنقاط الاتفاق: وذلك بالانطلاق من نقاط مشتركة تعدّ مبادئ لكل طرف من أطراف الحوار، والتي يظن أنها موجودة بين سائر البشر، إذ إن كـل «إنسـان ولو كان كافراً لا يعدم نقطة خير في قلبه يبدأ بها المسلم فيدخل إليها أو يدخل منها، ثم ينميها ويسير بها إلى هدفه الذي يريد»[10]، وتكون القاعدة التي يتأسس عليها الحوار.
معالجة الفكرة وَفْق الضوابط المعمول بها في إطارها واحترام التخصص: «فإذا كانت عقائدية عرضها على القرآن والصحيح من السنة، وإذا كانت فقهية عرضها على الأصول والضوابط الفقهية مع ضرورة الأخذ بمذهب قائلها ودليله من مصادره وليس من مصادر خصمه وأفواه الشانئين عليه»[11]، فإن كان في غير تلك المجالات نوقش في مجال تخصصه ووَفْق ضوابطه، فلكل علم رجاله، ولكل فن أهله، وإلا فالتجرؤ على جميع التخصصات من علامات التشتت الفكري الذي لا ينتج عنه إلا الصدام.
احترام حق البنوة والأبوة: يجب مراعاة حق الأبوة والأمومة والرحم، فلا يجوز مواجهة الآباء والأمهات بخشونة، ولا الإخوة والأخوات بغلظة؛ بدعوى أنهم عصاة أو مبتدعون أو منحرفون؛ فإن هذا لا يُسقِط حقهم في لين القول، وخاصة الأبوين، وحسبنا أن الله - تعالى - قال في حقهما: {وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: ٥١]، وليس هناك ذنب أعظم من الشرك[12]، كما أن احترام حق الأبوة قد يوجِّه الحوار إلى منحى إيجابي يفضي إلى نتائج لا تُتَصور.
قبول النتائج: قبول النتائج التي توصِل إليها الأدلة القاطعة أو الأدلة المرجِّحة إذا كان الموضوع فيه الدليل المرجح وإلا كانت المجادلة من العبث الذي لا يليق بالعقلاء أن يمارسوه[13].
ك






























